
الأحد 16/08/2026- في تجربة بحثية جمعت بين العلم والابتكار والبعد الإنساني، نجحت خمس طالبات من برنامج العلاج الوظيفي في دائرة علوم التأهيل والطب التشخيصي بكلية الطب في جامعة بوليتكنك فلسطين، في تطوير طرف صناعي وظيفي متعدد الرؤوس باستخدام تقنية الطباعة ثلاثية الأبعاد، صُمم بصورة مخصصة استنادًا إلى احتياجات أحد المشاركين وأولوياته اليومية بعد فقدانه طرفه العلوي، في خطوة تعكس قدرة البحث العلمي الجامعي على تقديم حلول عملية تسهم في تحسين حياة الأفراد وتعزيز استقلاليتهم.
وتجاوز المشروع مفهوم تصميم طرف صناعي بوصفه أداة تعويضية، ليقدّم نموذجًا تأهيليًا متكاملًا ينطلق من فلسفة العلاج الوظيفي التي تضع الإنسان واحتياجاته وأدواره الحياتية في قلب العملية العلاجية؛ فالهدف لم يكن تعويض الجزء المفقود فحسب، وإنما تمكين المشارك من استعادة أكبر قدر ممكن من استقلاليته والعودة إلى الأنشطة التي تشكّل جزءًا من حياته اليومية وهويته ومشاركته في المجتمع.
وبدأت رحلة البحث من الاستماع إلى تجربة المشارك وفهم احتياجاته وتطلعاته، وإجراء تقييم شامل لقدراته والتحديات التي يواجهها في أداء أنشطته اليومية، لتنتقل بعدها الطالبات إلى بناء برنامج علاجي وتأهيلي قائم على الأدلة العلمية امتد على مدار 40 جلسة علاجية.
وتضمن البرنامج تهيئة الطرف المتبقي لاستخدام الطرف الصناعي، والتعامل مع الألم الوهمي والحساسية، وتحسين القوة العضلية والمدى الحركي والقدرات الوظيفية، قبل الانتقال إلى مرحلة تصميم الطرف الصناعي وتصنيعه باستخدام الطباعة ثلاثية الأبعاد، ومن ثم التدريب التدريجي على استخدام رؤوسه الوظيفية المختلفة بما يتلاءم مع الأنشطة ذات الأولوية بالنسبة للمشارك.
وأظهرت نتائج التجربة تحسنًا ملموسًا في جاهزية المشارك لاستخدام الطرف الصناعي وفي مستوى أدائه الوظيفي وجودة حياته، حيث أصبح أكثر قدرة على أداء مجموعة من الأنشطة باستقلالية وثقة أكبر، من بينها قيادة السيارة، وممارسة الرياضة، وتمشيط الشعر، وتناول الطعام، وهي تفاصيل يومية قد تبدو بسيطة، لكنها تمثّل بالنسبة للشخص الذي فقد طرفًا علويًا خطوات مهمة نحو استعادة الاستقلال والثقة والمشاركة الفاعلة في الحياة.
وجاء هذا الإنجاز ثمرة جهود الطالبات أريج كرامة، وإيمان أبو سنينة، وهديل النتشة، وسنابل الجعبري، وزينة الزعتري، بإشراف الأستاذة نسيبة قنّام، وبالتعاون مع فريق متعدد التخصصات، بما يجسد أهمية التكامل بين الخبرات العلاجية والتقنية والهندسية في تطوير حلول تأهيلية تستجيب للاحتياجات الحقيقية للأفراد.
ويحمل المشروع أهمية تتجاوز حدود التجربة نفسها، إذ يفتح المجال أمام تطوير حلول وظيفية ميسّرة وقابلة للتخصيص للأشخاص ذوي البتر، والاستفادة من تقنيات التصنيع الحديثة، وفي مقدمتها الطباعة ثلاثية الأبعاد، في توفير أدوات مساعدة أكثر ارتباطًا باحتياجات المستخدم وبيئته وأدواره اليومية. كما يشكل البحث خطوة نوعية يمكن البناء عليها في تطوير خدمات تأهيل حالات بتر الأطراف العلوية في محافظة الخليل وفلسطين، وتعزيز البحث التطبيقي في مجالات التأهيل والتكنولوجيا المساندة.
ويعكس هذا الإنجاز كذلك طبيعة تخصص العلاج الوظيفي بوصفه مجالًا يجمع بين المعرفة العلمية والمهارة السريرية والابتكار والبعد الإنساني، وينظر إلى نجاح التدخل العلاجي من خلال قدرة الإنسان على العودة إلى حياته وأدواره وأنشطته باستقلالية وكرامة، وليس فقط من خلال المؤشرات الجسدية والوظيفية.
وتقدّم فريق البحث ومشرفة المشروع بالشكر والتقدير لجميع الزملاء والمختصين الذين أسهموا بخبراتهم وجهودهم في إنجاز هذا العمل، مؤكدين أن النتائج التي تحققت كانت ثمرة تعاون حقيقي جمع بين العلم والابتكار والعمل متعدد التخصصات والإيمان بحق الإنسان في الاستقلال والمشاركة الكاملة في الحياة.
ويؤكد هذا المشروع توجه جامعة بوليتكنك فلسطين نحو تعزيز البحث العلمي التطبيقي وربطه باحتياجات المجتمع، وتمكين طلبتها من تحويل المعرفة التي يكتسبونها في القاعات والمختبرات والتدريب السريري إلى حلول واقعية ذات أثر ملموس، بما يرسخ دور الجامعة في توظيف العلم والتكنولوجيا لخدمة الإنسان والمجتمع.
دائرة العلاقات العامة والإعلام







